ابن ميثم البحراني
278
شرح نهج البلاغة
المرتبة الثانية مرتبة من له الأمر إن الأوّلان دون الثالث أعني التأثير في عالم الطبيعة ، وهذه مرتبة أصحاب اليمين وتحتها مراتب . فأحدها : مرتبة من له استعداد طبيعيّ لاستكمال قوّته النظريّة دون العمليّة الثانية : من اكتسب ذلك الاستكمال في قوّته النظريّة اكتسابا تكليفيّا دون تهيّؤ طبيعيّ ولا حصّة له في أمر القوّة العمليّة . الثالثة : مرتبة من ليس له تهيّؤ طبيعيّ ولا اكتساب تكليفي في قوّته النظريّة وله ذلك التهيّؤ في القوّة العمليّة . الرابعة : مرتبة من له تكلَّف في إصلاح الأخلاق واكتساب الملكات الفاضلة دون تهيّؤ طبيعيّ لذلك . إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ للمقرّبين البالغين في الملكات الشريفة لذّات عظيمة في الجنّة قد فازوا بنعيم الأبد والسرور الدائم في حضرة جلال ربّ العالمين « فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ » غير مخرجين عن لذّاتهم لهم « فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وتَلَذُّ الأَعْيُنُ » وهم فيها خالدون كما قال عليه السّلام : لا يظعن مقيمها . جرد عن عوارض الأبدان وشوائب الموادّ مرد عن مزاحمة القوى المتغالبة المتجاذبة المؤّدية إلى الهرم والموت مكحّلين بالأنوار الساطعة ينظرون إلى ربّهم بوجوههم المفارقة ، « وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ » ولهم لذّات دون الوصول إلى مرتبة السابقين ، وقد يخالط لذّات هؤلاء شوب من لذّات المقرّبين كما أشير إليه في التنزيل الإلهيّ في وصف شراب الأبرار « ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقرّبون ولكلّ من المراتب كمال يخصّه ودرجات من السعادة في الجنّة تخصّه كما قال « لهم درجات عند اللَّه » وقال « يرفع اللَّه الَّذين آمنوا منكم والَّذين أوتوا العلم درجات » وقال « لهم غرف مبنيّة من فوقها غرف تجرى من تحتها الأنهار » . وإذا عرفت ذلك فلنرجع إلى المتن فنقول : أمّا قوله : لا ينقطع نعيمها فلقوله تعالى « وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ » وقوله « إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ » ولأنّ الكمال الَّذي حصل للإنسان فاستحقّ به سعادة في الجنّة ملكات ثابتة في جوهره لا تزول